عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

107

اللباب في علوم الكتاب

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 45 إلى 46 ] فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45 ) أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) قوله تعالى « 1 » : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ الآية . لما بيّن « 2 » إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق ، وأذن في مقاتلتهم ، وضمن للرسول النصرة ، وبين أن للّه عاقبة الأمور ، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول بالصبر « 3 » على أذيته بالتكذيب وغيره ، فقال : وإن يكذبوك قومك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم ، وذكر اللّه تعالى سبعة منهم . فإن قيل : فلم قال : وكذب موسى . ولم يقل : وقوم موسى ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل ، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط . الثاني : كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم ، وكذّب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره . « فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ » أي : أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي « ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ » عاقبتهم « فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ » أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب ، وهذا استفهام تقرير ، أي ؛ أليس كان واقعا قطعا ، أبدلتهم بالنعمة نقمة ، وبالكثرة قلة ، وبالحياة موتا ، وبالعمارة خرابا ؟ وأعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصر على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض ، فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم ، فإنه تعالى إنما يمهل لمصلحة ، فلا بد من الرضا والتسليم ، وإن شق ذلك على القلب « 4 » . والنكير : مصدر بمعنى الإنكار كالنذير بمعنى الإنذار « 5 » . وأثبت ياء نكيري حيث وقعت ورش في الوصل وحذفها في الوقف ، والباقون بحذفها « 6 » وصلا ووقفا « 7 » . قوله : « فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ » يجوز أن تكون « كأين » منصوبة المحل على الاشتغال بفعل مقدر يفسره ( أهلكتها ) وأن تكون في محل رفع بالابتداء ، والخبر ( أهلكتها ) « 8 » . وتقدم تحقيق القول فيها « 9 » . قال بعضهم : المراد من قوله : « فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ » وكم ، على وجه التكثير .

--> ( 1 ) تعالى : سقط من الأصل . ( 2 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 43 - 44 . ( 3 ) في ب : بالنصر . وهو تحريف . ( 4 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 43 - 44 . ( 5 ) انظر تفسير ابن عطية 10 / 95 ، البحر المحيط 6 / 376 . ( 6 ) في ب : بحد فهما . وهو تحريف . ( 7 ) السبعة ( 441 ) ، الكشف 2 / 124 ، النشر 2 / 327 ، الإتحاف 6 / 3 . ( 8 ) انظر التبيان 2 / 944 ، البحر المحيط 6 / 376 . ( 9 ) عند قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [ آل عمران : 146 ] .